أبحـاث ودراسات

15 نوفمبر, 2014 11:02:00 م


صنعاء_صوت الشعب_خاص:


ملخص الدراسة :

تتناول الباحثة في بحثها هذا موضوع الانتماء النفسي PsychologicalAffiliation  لدى طلبة الجامعة اليمنيين الذين عادوا من دول المهجر إلى وطنهم الأم ومقارنتهم بالمقيمين الذين لم يغادروا اليمن.

 

والانتماء النفسي ظاهرة ليست مقتصرة على مجتمع دون آخر، فأينما وجد الإنسان وجد الانتماء لأنه يعبر عن صحته النفسية، وانتمائه لذاته وأسرته ومجتمعه ووطنه ودينه ثم قوميته وان كان يتفاوت من حيث الشدة واللين ومن مجتمع لآخر ومن جيل إلى جيل آخر عبر الثقافات.

 

فالانتماء النفسي ركن أساسي في الحياة الاجتماعية يستتبع حتما الانتماء إلى الوطن بحيث يشعر الفرد بأن الوطن له وأنه مسؤول عن سلامته وحياته وديمومته. ومتى شعر الفرد بهذه الرابطة النفسية ينمو لديه الإحساس الذي يكاد يكون غريزياً بأنه جزء من كل وبأن له دوراً في مجتمعه يترتب عليه القيام بالمحافظة عليه وبالتالي المحافظة على نفسه لكونه جزءاً لا يتجزأ منه. ولا يكاد يختلف اثنان على أن لدى الإنسان دافعاً نحو الانتماء، فليس من متحدث في التربية أو السياسة أو الاجتماع أو الدين أو غير ذلك من المجالات إلا ويعرّج في حديثه صراحة أو ضمناً على الانتماء. (العوجي،1983،صـ77)،(أسعد، 1992،صـ3)

         

كما يعد مفهوم الانتماء Affiliation  من أهم المفاهيم السيكولوجية الحيوية التي تحدد طبيعة علاقة الفرد بذاته وبالجماعة في كل زمان ومكان، ويقابله من الجهة الأخرى مفهوم الاغتراب Alienation  الذي يعني الابتعاد

 النفسي للفرد عن ذاته وعن الجماعة، ومفهوم الوحدة النفسية Loneliness  الذي يشير إلى تلك التجربة المزعجة التي تحدث عندما تكون شبكة العلاقات الاجتماعية لشخص ما ناقصة في أحد جوانبه كماً أو نوعاً. (التميمي،1994،صـ1)، (التميمي،1996،صـ9)

           

وينبع حقيقة أن البشر كائنات اجتماعية، ومخلوقات تتجمع سويا، ويعتمد كل منهم على الآخر جسمياً ونفسياً عبر الحياة. فالعلاقات الوثيقة مع الآخرين تبدو من الضروريات وهي أمور تتكامل مع بقاء الإنسان ورفاهيته، فالبشر قادرون على تقديم كل منهم للآخر أعظم مسرات الحياة وأفراحها وكذلك أحزانها العميقة وهم قادرون أيضاً على تزويد بعضهم البعض بمثير حسي من شأنه إبعاد الرتابة عن حياة الإنسان كما أن بإمكانهم إعطاء نوع من التعاطف والحماية من الأخطار وبالتالي فإن الفرد يسعى إلى الانتماء ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الجماعة، وهو يلتمس في الجماعة إشباع حاجته إلى الانتماء وحاجته إلى التقدير الاجتماعي، والقبول والاحترام والمكانة الاجتماعية، ويتضح الميل إلى الاجتماع نتيجة تفاعل الفرد مع الآخرين في المجتمع على مستوياته المختلفة، وهنا يرى الفرد الجماعة وكأنها امتداد لذاته. فالانتماء إلى الجماعة أحد دوافع الفرد السيكولوجية المهمة التي توجه سلوكه وتشكل علاقاته الاجتماعية وبالتالي يشعر بالقوة والأمن، وكذلك تراه يعمل دائما من أجل هذه الجماعة وتقويتها، فهو كما يقول مورايMurrey "وجود ضروري في وسط مادي اجتماعي وحضاري، وهو لا يستطيع أن يكون في عزلة". (دافيدوف،1983، صـ743: 747)، (العسال،1996،صـ2)، (الجسماني،1994،صـ46)،(التميمي،1996،صـ6)

         

وفي الآونة الأخيرة كثر الحديث عالمياً عن موضوع الانتماء بصورة تؤكد انتشار سلوكيات تنم عن الإحساس بعدم الانتماء بين قطاعات مختلفة من المجتمعات، وأن بعض الشباب الآن أصبح يتصف باللامبالاة والسلبية وضعف الإنتاج والمشاركة، وفقدان روح الانتماء سواء للوطن الذي يعيش فيه أو العمل الذي يقوم به أو الكلية التي يدرس فيها أو حتى الشارع الذي هو منه. وإذا كان بعض الناس في الغرب يشعرون بالإحباط لقلة ما يعرفونه عن موضوع الانتماء، فإن "الواقع الاجتماعي في بلادنا النامية لا يعد بناءً مستقراً، إنما هو حركة مضطربة نحو أفق مفتوح…وأن الشباب قد صاروا مجرد مشروعات ناقصة فهم مجرد مشروعات مواطنين وليسوا مواطنين كاملين". (خليل وحافظ، 1986،صـ7)،(محمد،1985،صـ2)

وهذا ما طرح في المؤتمر التاسع للإحصاء والحسابات العلمية في جمهورية مصر العربية. تحتعنوان "تسرب الشعور بالانتماء لدى الشباب"

          

وقد أصاب من قال إن "الشباب بحكم إمكانياته الفطرية ذو تفكير اجتماعي" ففي هذا القول يكمن الإفصاح عما لدى الشباب من طاقات طبيعية يمكن استثمارها لتسهم في بناء الحياة الاجتماعية إذ أن بناء مستقبل الأمة وكيانها إنما هو مرهون بتنمية أبنائها كافة وبخاصة الشباب حيث أن أولى شروط المجتمع السليم المتين المكتفي معيشياً واقتصادياً والنامي ثقافياً أن يقوم على التماسك بين أفراده وبما أن الشباب جزء لا يتجزأ عن أي مجتمع لذا يمكن إشعار كل منهم بانتمائه انتماءاً وثيقاً بحيث يؤلف وحدة عضوية حية تتفاعل معه فتحيى بحياته وتنمو بنموه وتتبلور بتبلور مقوماته. (الجسماني ومحمد،1990،صـ273)، (العوجي،1983،صـ3)

            

وحينما يؤخذ على الشباب عدم قدرتهم على الانتماء، يحسن ألا ينأى هذا التفكير عن تحري عوامل ضعف الانتماء. بل يجدر وضع الموقف ككل ضمن أطره الواقعية بما يكتنف الشباب من حقائق نفسية، واجتماعية، وذلك بأن يؤخذ في الاعتبار أن مرحلة الشباب من أكثر الفئاتالعمرية حساسية لما حولهم في المجتمع، وإدراك الثقافة الخاصة بالشباب ويقصد بذلك "أن الشباب يمثلون مرحلة من النمو الإنساني لها ثقافة خاصة، وتمثل إحدى الثقافات الفرعية، ويطور الشباب نتائج خبراتهم عن طريق غير رسمي. فتتضارب معاييرهم مع معايير الكبار وقد تتميز بالرفض أو الانعزال. (الجسماني،1990،صـ273)، (الحديدي،1990،صـ1)، (محمد،1985،صـ3)

         

ولا يمكن إعداد الشباب للمهمات الحيوية وتنميتهم إلا بتنشأتهم على أسس سليمة بداية من الأسرة، فإذا نمى الفرد وهو يشعر بالانتماء لأسرته كونها الخلية الأولى التي يمارس فيها علاقاته الإنسانية ولذلك كان لأنماط السلوك الاجتماعي الذي يتعلمه الطفل في محيطها قيم كبرى في حياته المستقبلية فالطفل يتعلم النماذج الأولية لمختلف الاتجاهات وبصورة عامة تتكون الدعائم الأولى للشخصية داخل الأسرة، لذلك فالأسرة هي التي تمنح أطفالها الشعور بالانتماء. وهذا الشعور ينمي عند الفرد الشعور بالأمن والطمأنينة ويحقق له ذاته، والإحساس بالانتماء للوطن وهو أسمى ما تعطيه الأسرة للفرد حيث يؤدي فقدانه إلى الإحساس بمرارة الغربة والضياع ولا يعفى بذلك الأجهزة التربوية والمؤسسات التعليمية على اختلاف مستوياتها عن المسؤولية، هذا باعتبار أن الانتماء يمثل أحد القيم الإيجابية التي تحقق تكاملاً للشخصية فإن هذا التكامل لابد وأن يستشعره الطفل بين الأجهزة المهيمنة على تزويده بمقومات الانتماء ومظاهره، خاصة وأن الانتماء لا يقوم إلا من خلال خطة تتضمن أسلوباً علمياً لعملية التنشئة الاجتماعية، هذا الأسلوب العلمي هو مهمة كل المشتغلين بالعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية. (سعيد،1996،صـ2)، (الحديدي،1990،صـ1)، (محمد،1991،صـ65)

         

والثابت أن ضغوط الحياة والانفعالات قد أصبحت من أخطر الظواهر التي تهدد حياة الإنسان المعاصر ومن جراء بعض الظروف الطارئة في العالم في السنوات الأخيرة، عاد عدد كبير من اليمنيين المهاجرين إلى أرض الوطن. وعاد معهم الشباب الذين لم يعرفوا عن اليمن سوى أنها موطنهم الأصل، وخاصة الذين استقروا في بلاد المهجر لفترات طويلة وكونوا أسراً وطبعوهم على الحياة بكافة جوانبها خارج الوطن، وما كان من جيل الشباب العائد إلا أن يتأثر بشكل عكسي مع انتماءاته.

 

وسواء ابتعد الفرد عن جماعته أو غادرها إلى جماعة أخرى، فهو في كلتا الحالتين إنما يفقد انتماءه لجماعة من جانب ويواجه برفض الجماعة الأخرى له من جانب آخر لاختلاف عاداته وقيمه ونمط شخصيته وخبراته، مما يسبب غربته من ناحية وعدم انتمائه لمجتمعه من ناحية أخرى. وهو في كلتا الحالتين سيعاني من العجز أو فقدان السيطرة على مصيره لأنه يتقرر بواسطة عوامل خارجية كالقدر، مع فقدان الهدف والمعنى من الحياة وفقدان المعايير والتحلل من الالتزامات الخلقية والتنافس الفردي غير المحدود والتنافر الحضاري والعزلة الاجتماعية والتي هي الإحساس بالوحدة والانسحاب من العلاقات الاجتماعية أو الشعور بالنبذ. (التميمي،1994،صـ1)

 

وبما أن النظام الاجتماعي الذي يفد إليه المهاجر كما أتضح من مراجعة التراث العلمي المفسر للهجرة يعد هو الأساس، لأن التفسيرات الاجتماعية تنظر إلى عملية الهجرة على أنها تغيراً يطرأ على النسق الاجتماعي ككل يتفاعل معه ويؤثر فيه. إن التعرف على مدى قدرة المهاجر على اكتساب المهارات الضرورية للاندماج في حياة ثقافية واجتماعية مشتركة مع أعضاء النسق الاجتماعي القائم ستعني الاستمرار في النسق الاجتماعي وتوسعه، ومن ثم نجاحه في استيعاب ودمج عناصر جديدة إليه. لكن نظراً لتباين البيئة والذكريات الجماعية والمشاعر والمواقف فإن المهاجرين الذين عاشوا وتربوا في المهجر سيعانون عند عودتهم بالضرورة من بعض مشاكل تكيف. ومعرفةهذه المشاكل وأبعادها والكيفية التي يمكن التغلب بها على هذه المشاكل ستمكن من رسم برامج وسياسات تمكن من قيام مؤسسات رسمية وغير رسمية لخدمة وتوجيه هؤلاء العائدين من المهجر. (العمودي، 1994،صـ73)

 

        

ويرجع مشكلة هذا البحث إلى أنه يهتم ببحث قضية من القضايا ذات التأثير الحيوي على حياة الفرد والمجتمع. وهي قضية ضعف الانتماء وقد استحوذت هذه القضية على جهود العلماء في علم النفس الاجتماعي قديماً وحديثاً بالبحث والدراسة فمع الإقرار بأن وقائع الحياة تشير إلى أهمية انتماء الفرد إلى ذاته وإلى الجماعة واستحالة انعزاله عن أي نمط من أنماطها، فإن عدداً من المنظرين قد أكدوا ذلك، على الرغم من اختلافهم في منهجية التفكير والتحليل والمدارس الفكرية التي انطلقوا منها في تفسيرهم للانتماء، وكانت نتيجة هذه الاختلافات أن أصبح للانتماء مفهومه الخاص به من حيث كونه أحد الحاجات النفسية الاجتماعية المهمة في حياة الفرد، لها مصدرها الناشئ عن الميل في الحياة مع الغير، إي إحساس الفرد بالرغبة في  أنه ينتمي إلية سواء كان هذا الغير أسرة، أو أصدقاء، أو مهنة، أو وطناً، ولها هدفها الذي ترمي إلى تحقيقه والمتمثل في الوصول إلى حالة من الأمن النفسي للكائن الحي، وهي في سعيها إلى تحقيق هذا الهدف إنما تبحث عن سلوك إشباعها بوسيلة ( نشاط ) أو عدة وسائل سواء كان ذلك في الحياة مع مجموعة من أفراد نوعه (الأم، الأب، الأخوة، …إلخ) أو في مسايرة الجماعة والتوافق معها أو في التقيد وقبول ما اصطلحت عليه الجماعة من معايير وأنماط سلوكية أو في مشاركة الفرد مع الجماعة في قيمها واتجاهاتها، مما يترتب عليها مجموعة من النتائج النفسية والاجتماعية فيما لو مرت فترة زمنية طويلة على عدم إشباعها والمتمثلة في عدم القدرة على النمو النفسي السليم، اتباع السلوك العدواني، عدم القدرة على إنشاء علاقات انفعالية مع الغير، العزلة عن الغير والانفرادية والشعور بالقلق أو الخوف.(التميمي،1994،صـ2)، (التميمي،1996،صـ10)

 

     

وتأسيساً على ذلك فإن مصطلح الانتماء النفسي يكون معروفاً في دراسات علم النفسي الاجتماعي Social Psychology  ودراسات علم نفس الشخصية Personalogy  على أنه حاجة الفرد النفسية والاجتماعية، وأن ما أثارته هذه الحاجة من بحوث كانت قد أثبتت أهميتها، ففي المستوى العالمي يرصد "كينتون" صورة لاغتراب الشباب في المجتمع الأمريكي في الستينيات وخاصة شباب الجامعة ومظاهر التمرد والرفض للآخرين والسلبية والقنوط وعدم الالتزام تجاه الآخرين وتجاه المجتمع وعدم الانتماء لعقيدة أو لأية قيم. (محمد،1985،صـ3)

 

        

كما وضح أيضاً "كولن ولسن" الطبيعة التي يكون عليها اللامنتمي من الاضطراب قائلاً: "الجو الذي يتميز به عالم اللامنتمي المعاصر جو كريه جداً، إن هؤلاء لا يرفضون الحياة فحسب، بل ويعادونها، فعالمهم يكاد يكون مجرداً من القيم.."مما يدل أنه انتهى في دراسته عن اللامنتمي بأن نفسية الإنسان اللامنتمي تتمثل ملامحها في معاداته ونفوره من الواقع الاجتماعي بل وإعراضه عن أية قيم، وكأن سلوك اللامنتمي ينم عن عدم تقبل الحياة  أي الحياة الإنسانية التي تعيشها الكائنات في هذا المجتمع الإنساني. (ولسن،1969،صـ6)، (محمد،1991،صـ64)

         

وبينت دراسات أخرى أن الاختلاف في حاجات الفرد يؤدي إلى اختلاف في مدى الانتماء الاجتماعي للفرد، فالأفراد ذوو الحاجة العالية للانتماء يميلون إلى  تحقيق درجات مرتفعة على مقياس الحاجة للاعتراف الاجتماعي

 Social Recognation   ودرجات منخفضة على مقياس الحاجة للسيطرة، وأن الأفراد ذوي الحاجة العالية للانتماء يميلون إلى تفادي الصراع والتنافس مع الآخرين، وكأنهم يخافون من رد الفعل السلبي من قبل الآخرين نحوهم. (التميمي،1996،صـ13)   

         

أما في مجال العلاقة بين حاجة الفرد للانتماء، وتعرضه للمواقف المثيرة للقلق، والخوف أو المواقف المفرحة فقد توصلت دراسة سكاكترSchachter في أواخر الخمسينيات إلى أنه في موقف تجريبي استثار لدى أفراد العينة ميولاً انتمائية نحو مصاحبة الآخرين حيث ثبت أنه حينما يكون الأفراد من البشر في حالة القلق الذي يتهددهم فإنهم يتوقون إلى البقاء سوياً في مجموعة. كما توصلت عالمة النفس الاجتماعي "باتريشيا ميديلبروك" إلى أن الأفراد في حاجة إلى أن يكونوا على مقربة من الآخرين حينما يكونون سعداء أو في حالة نفسية طيبة، وكذلك حينما يكونوا بصدد مواجهة موقف غير مألوف. (دافيدوف،1983،صـ746)

       

أما البحوث التي تشير إلى أن الأفراد في حاجة مستمرة إلى مصاحبة الآخرين ولكي يصبحوا أفراداً في مجموعات وأنهم يفضلون القيام بالعمل مع آخرين أكثر من عملها مع أنفسهم فقد استنتجت "اليزابث" أن الأشخاص ذوي الدرجة المرتفعة للانتماء غالباً ما يختارون أصدقاءهم للقيام بأي عمل يوجه إليهم، أما الأشخاص ذوو الدرجة المرتفعة للحاجة إلى الإنجاز فإنهم يختارون قرناءهم على أساس المهارة فهم يضعون هدف تكملة العمل في المقام الأول. (عبد الخالق،1989،صـ430)   

          

ولكي لا تبخس الباحثة العلماء المسلمين والعرب حقهم، فقد وجدت أن موضوع الانتماء ليس وليد اللحظة، فمن باب الوفاء والامتنان للتراث العربي

والانتماء النفسي لهذه الأمة العريقة لما خلفته من تراث علمي، فلابد من الإشارة لما تناوله الكثير من الفلاسفة والمفكرين العرب من أفكار وأراء ومقالات والتي تناولت فيها أهمية انتماء الفرد إلى المجتمع وما لذلك من أثر على حياة الفرد في إشباع حاجاته الضرورية. "فالفارابي" مثلاً يقول: "وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكن أن يقوم بها كلها هو وحده بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه.لذلك لا يمكن أن ينال الإنسان الكمال الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية إلا بجماعات كثيرة متعاونة يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج في قوامه وفي أن يبلغ الكمال". (التميمي، 1996،صـ16)، (سويف،1983،صـ131)        

          

كما جاء في إحدى رسائل "إخوان الصفا" "أعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش إلا عيشاً نكداً، لأنه محتاج إلى طيب العيش. فمن أحكام الصنائع شتى لا يمكن أن يبلغها كلها، لأن العمر قصير والصنائع كثيرة. فمن أجل هذا، اجتمع في كل مدينة وقريةأناس لمعاونة بعضهم بعضا، وقد أوجبت الحكمة الإلهية بأن تشتغل جماعة منهم بالصنائع، وجماعة بالتجارة، وجماعة بالبنيان، وجماعة بالسياسة، وجماعة بالعلوم، مثلهم في ذلك كمثل اخوة من أب واحد، وفي منزل واحد، متعاونين في أمر معيشتهم. كل منهم في وجه واحد منها. فأعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه .. أنك لا تقدر أن تنجو وحدك لأنك محتاج إلى معاونة إخوان لك نصحاء. وأصدقاء لك فضلاء".  (زهران، 1984،صـ69) 

 

وكان ذلك واضحاً في أراء "الماوردي" عندما أشار إلى أهمية الدين في إشباع هذه الحاجة باعتباره يحقق للفرد انتسابه إلى جماعته  ويشترك وإياهم في كثير من الأهداف والأعمال والممارسات، ويستشهد "الماوردي" بذلك في حالة العرب قبل الإسلام وبعد أن دخلوا فيه فيقول:"لقد بعث الرسولr والعرب أشد تقاطعاً وتعادياً وأكثر اختلافا وتمادياً، وانقطعت عداواتهم وصاروا بالإسلام إخواناً متواصلين، وبألفة الدين أعواناً متناصرين". (التميمي،1996،صـ16)

 

كما قال تعالى في كتابه العزيز )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير( سورة الحجرات (الآية13) ويقول عز وجل في كتابه المحفوظ  )هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها( صدق الله العظيم سورة الأعراف(الآية189)

 وقد قال الشاعر العربي في إحدى وصاياه:

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى          خطب ولا تفرقـوا آحـادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً          وإذا افترقن تكسرت أفرادا

               

وبناء على ما تم ذكره آنفاً، واستناداً على ما أكدت إليه نتائج البحوث والدراسات القائمة في هذا المجال والتي أشارت إلى أن الانتماء يعد من المشكلات السيكولوجية المهمة التي تنشأ عن احتكاك الفرد بظروف التغير الاجتماعي الذي يتعرض له الفرد في مجتمعه. (التميمي،1996،صـ17)

 

لذا تقوم الباحثة بتوضيح المبررات التي دفعتها للقيام بهذا البحث وهي كالتالي:

 

1- نظراً إلى الظروف الجديدة التي يعاني منها الطلبة العائدون من المهجر، يتصدى هذا البحث إلى الكشف عن مستوى الانتماء النفسي لدى العائدين من المهجر  ومقارنتهم بالمقيمين على المستوى النفسي والاجتماعي ولعدم وجود دراسة محلية متكاملة ـ في حدود علم الباحثة ـ تناولت الموضوع بأبعاده،

فإن أهمية هذا البحث تتأتى كمحاولة متواضعة للتعرف على هذه المشكلة باعتبار أن الانتماء يمثل أحد المحاور الأساسية التي يقيم من خلالها الفرد مجموعة علاقاته. كما تتأكد أهميته من أهمية العينة ( الطلبة العائدين من المهجر وأقرانهم المقيمين في اليمن) التي تم إجراء هذا البحث عليها باعتبارها تمثل شريحة الشباب الذين لا تصلح الأمة إلا بهم. خاصة وهي تتناول متغيرات (الجنس، المستوى الدراسي، عدد مرات الزيارة، جامعة صنعاء والجامعات الخاصة)

2- 

بلغ عدد المغتربين اليمنيين (1,234,000) نسمة في تعداد 1975م. وهذا العدد يمثل 19% من مجموع السكان في ذلك التاريخ. كما بلغ عددهم في التعداد التعاوني الذي أجري عام 1981م ما مقداره (1,395,000) نسمة يمثلون 16.3% من مجموع السكان في ذلك التاريخ وهناك إحصائية حديثة توضح انتشار المغتربين اليمنيين وأعدادهم التقريبية في دول العالم لعام 1998م بإجمالي (6.636.330) نسمة منهم عدد المهاجرين في البلدان العربية تقريباً (802.000) نسمة، أما في البلدان الأجنبية ما يقارب (198.700) نسمة، وأما المهاجرون من أصل يمني يبلغ عددهم تقريباً (5.630.000) نسمة وهذا العدد لا يستهان به ولهذا فإنه من الأهمية بمكان دراسة الانتماء النفسي للطلبة العائدين من المهجر. (وزارة شئون المغتربين،1999،صـ268:269)،  (الجهاز المركزي للتخطيط،1981، صـ39). 

 

3-  إن حالة العائدين من المهجر تترك أثراً في النفس تصعب مقاومته، أو الوقوف أمامه بلامبالاة. سواء إيجابيا كان هذا الأثر أم سلبياً. ففي الحالتين تتطلب تشخيصاً ومعالجة. فمن منطلق عمل الباحثة كمساعدة اختصاصية في المركز الصحي الثقافي لاحظت أن أكثر المترددين على الوحدة النفسية في المركز هم أبناء العائدين من المهجر. فتسمع أحدهم يقول: (..عندنا في الإمارات كذا.. مثلاً  ) ويتحدث بحماس عن مكانه الذي كان فيه قبل العودة إلى أرض الوطن. وآخر يتحدث وكأنه في وضعه الراهن هو المغترب وليس العائد إلى وطنه الأم. وهناك من يهون على نفسه بأنه بقي عاماً دراسياً واحداً ليعود إلي مكان إقامته الأول (المهجر).

          لهذه المبررات وجدت الباحثة ضرورة الاهتمام بدراسة الآثار النفسية للفرد المغترب وخاصة هذه الفئة (الطلبة العائدين من المهجر الذين ولدوا وترعرعوا في بلاد الغربة) وهي الفئة التي أهمل بحثها لفترة طويلة نتيجة لهجرتها خارج البلاد، وخاصة أن معظم الدراسات التي أجريت في الساحة اليمنية عن المغتربين هي أبحاث سياسية واقتصادية أكثر منها نفسية.(أحمد،1992،صـ26).


 ومما تقدم تخلص الباحثة إلى أن هناك مشكلة تتمثل في:

      1.   الاغتراب.

      2.   عودة المغتربين إلى أرض الوطن مؤقتاً أو بشكل دائم.

      3.    تكيف أو عدم تكيف العائدين من المهجر والغربة.

      4.    تحديد أعدادهم ضمن إمكانات متطلبات العينة.

      5.    من غير المعقول - حسب رأي الباحثة - أن يترك شأن العائدين من الغربة بغير بحثومعالجة.

          لكن المشكلة هذه تقترن بأهمية نفسية واجتماعية. فأما الأهمية النفسية فيمكن القول بأنها تستدعي التصدي لإزالة عوامل التوتر النفسي وتخفيف حدة القلق الذي يعاني منه المغترب العائد من المهجر.

         أما الأهمية الاجتماعية فتستوجب العمل من أجل دمج العائدين في نسيج المجتمع الذي هم أصلاً جزء منه، لكن ظروفاً معينة دفعتهم من قبل إلى الهجرة. وأن عودتهم، سواء مؤقتة كانت أم دائمة، تقتضي تحري وبحث كل ما من شأنه أن يسهم في ضرورة تكيفهم:

      1.  النفسي.

      2.  الحياتي.

      3.  الاجتماعي.

          وأن إحساس الباحثة بأن هناك مشكلة، وأن هناك أهمية، وأن هناك حاجة، كل ذلك يدعو إلى القيام بهذا البحث


هدف البحث:

          تهدف الباحثة في بحثها الحالي إلى المقارنة في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر وأقرانهم المقيمين في اليمن ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال التساؤلات التالية:

       1.  هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر وأقرانهم المقيمين في اليمن؟

      2.   هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر وفقا للجنس؟

      3.   هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في الانتماء النفسي بين الطلبة المقيمين وفقاً للجنس؟

   4.     هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر والمقيمين وفقاً للمستوى الدراسي (الأول - الثاني) ؟

      5.  هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في الانتماء النفسي بين الطلبة العائدين من المهجر حسب عدد مرات الزيارة؟

   6.   هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية لدى الطلبة العائدين والمقيمين في الانتماء النفسي حسب نوع الجامعات أي جامعة صنعاء والجامعات الخاصة؟

          ويمكن تحقيق الهدف المذكور وتساؤلاته من خلال تطبيق الأداة التي أعدتها الباحثة في بحثها هذا ومن خلال الطرق الإحصائية المناسبة لكل من الهدف والأداة.


حدود البحث:

          لغرض السيطرة على متغيرات البحث وهدفه عمدت الباحثة إلى حصر حدود البحث في الآتي:

    1.  ستطبق الباحثة البحث على طلبة جامعة صنعاء والجامعات الخاصة بأمانة   العاصمة في الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي (2000ـ2001م) وكالآتي:

        أ‌.  ستأخذ عدداً من الطلبة العائدين من المهجر يقابل عدد الطلبة المقيمين في أرض الوطن.

  ب‌ ستطبق الباحثة البحث على طلبة المستويين الأول والثاني من الذكور والإناث المقيمين والعائدين من المهجر ويعود السبب في اختيار المستويين إلى أنهم لم يتكيفوا على البيئة الجديدة بعد.

ستأخذ  عدداً من الطلبة العائدين من المهجر يقابل عدد الطلبة المقيمين في أرض الوطن.


  ب‌ ستطبق الباحثة البحث على طلبة المستويين الأول والثاني من الذكور والإناث المقيمين والعائدين من المهجر ويعود السبب في اختيار المستويين إلى أنهم لم يتكيفوا على البيئة الجديدة بعد.







رأيكم يهــمنا

تهمّنا آراؤكم لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية :
أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال.
أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء.
أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم.
أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.
لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية.